تطوف بين النَّاس في حياتهم العامَّة ألقاب تشريف وأوصاف تعريف، يُصنِّفُ بها النَّاس بعضهم في أُفُقهم الاجتماعي حسب العُرف السَّائد، والرُّتَب، والهيئات والصُّور، وتُظهِرُ هذه التَّصانيفُ أُسسَ البِنْية الاجتماعيَّة والمُناخ الثَّقافي الذي وُلِدَت فيه هذه الألقاب والأوصاف، والقِيَمَ التي يفاضلون بها بين أفراد المجتمع.
والحقيقةُ أني أقفُ هُنيَّةً عندما أسمع بعض النُّخَب من المثقَّفين يصفون رجلًا بالبساطة في سياق التَّقليل والتَّهوين من شأنه: «فلان بسيط»، وهو لفظ تطوَّرَ دلاليًّا في الوسط الاجتماعي للوصف بالضَّعف والتَّقليل غالبًا، وصار مكافئًا للوصف بـ«الضَّعيف»، أو «السَّاذج»، أو «الغِرّ والمغفَّل» [تقويم اللسانين للهلالي: 33]، أو بمعنى أقرب «قليل الحِيْلة الذي لا يُحسِنُ المُغالِبة ولا يُؤبَه له»، وكلها في حقيقة الأمر تطلق في سياق التَّقليل والانتقاص، المشوبِ بالرَّأفة والعَطْف على ذلك «البسيط».
الألفاظ تصنع الصور والواقع
وهذا التَّصور المرتسم عن الوصف بـ«البساطة» يهيمن على نوع النَّظرة إلى ذلك «البسيط»، وطريقة التَّعامل معه؛ ذلك أن للأوصاف والتَّعابير سطوةً غالبةً في تكوين الفكرة والسُّلُوك الصَّادر عنها، كما قال الرافعي عن أثر لقب «بك»: «إرغام على التَّعظِيم بقوة الكلمة» [وحي القلم: 1/85].
وهديُ الإسلام في الاعتناء بالألفاظ، وحسن انتقائها، يوجب استعمال اللفظ الدالِّ على الحقيقة نفسها، وأن لا نميل إلى لفظ مكروهٍ أو موهمٍ، وإن كان المقصد حسنًا، وهو داخل في الأمر الإلهي {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، و{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 53]، وكما ورد في السُّنَّة من النهي عن وصف المنافق بالسيِّد، وقد ورد فيها كثير مما يتعلق بالأوصاف خاصة، وهذا الهديُ النَّبويُّ يحفظ على النَّسيجِ الاجتماعي البهاءَ واللطفَ والنَّظامَ اللفظيَّ المستعملَ فيه.
كيف غير الإسلام موازين التفاضل؟
وطريقة القرآن والسُّنَّة في تصحيح السلوك تبدأ من تغيير التَّصور والفكرة، كما كان النبي ﷺ ينقل أذهان الناس من المعاني اللغوية المعهودة عندهم إلى معانٍ شريفة ليُغيِّرَ سلوكهم كما فعل عليه الصلاة والسلام في معنى الصُّرَعة.
كانت العرب تُغالب بمقالها وفعالها، وتمتدح الغالب مطلقًا، وتُغير على أخيها إن لم تجد مَن تُغير عليه، وتذمُّ العفيف الذي لا يظلم، وتُعظِّم الدَّّهاء والدُّهاة، وترى القويَّ فيهم من أخذ من الدنيا بحظ وفير من مال وبنين، وتسمي بنيها عَتَلَةَ وحَزْنًا وحَرْبًا، تنشئةً وترسيخًا لمعاني الصَّلابة والقَساوة من الصِّغر، وهكذا في منظومة من أخلاق القساوة والغلظة والجفاء والشدة، والمعايير الفاسدة في المفاضلة، فجاء الإسلام ليهدم ذلك كله، ويُبَدِّلَ هذه الصَّورة الصَّلبة، ويُحِلَّ موضعها الألفاظ والمعاني التي تتسق مع رحمة الإسلام وأنبيائه للعالمين، وتنقل الناس إلى الحقائق الأخروية ليقيسوا بها منازل الناس، فجاء وامتدح الليِّنَ والهَيِّنَ والسَّهلَ والمتضَّعف من الناس، فقال ﷺ «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كلُّ ضعيف متضعف» [البخاري: 4918]، وقال ﷺ: «حَرُمَ على النار كل هين لين سهل قريب من الناس» [أخرجه أحمد: 3938]، وامتدح الغِرَّ – أحد مرادفات «البسيط» الذي نتحدث عنه – وجعله من أوصاف المؤمن فقال ﷺ: «المؤمن غِرٌّ كريم، والفاجر خِبٌّ لئيم» [أبو داود: 4790]، بل وصفهم رسول الله ﷺ بأنهم: «الضعفاء المغلوبون» [أحمد: 17585].
طهارة النفس ورقة القلب
هذا العبد الضَّعيف المستضعف «البسيط» قد يترك بعض حقوقه لسماحة نفسه، ورقة قلبه، ولينه واستكانته، حتى يبدو للناس في صورة «المغلوب»، وهم كما ورد في الوحي الهيِّنون، الليِّنون، الكرماء الذين كَرُمَت نفوسُهم، وحَسُنَت طباعهم، ولانت عريكتهم، وطابت سجيتُهم، ورقَّت قلوبُهم، قال القاضي عياض: «قد يكون الضعفاء هنا والضعيف المتضعف الأرقَّاء القلوب كما قال في أهل اليمن «أرق قلوبًا، وأضعف أفئدة» عبارة عن سرعة قبولهم، ولين جوانبهم لذلك، خلاف أهل القسوة والجفاء والغلظة» [مشارق الأنوار: 2/60].
وهذه الأوصاف هي الأجدر بالاستعمال لورودها في النصوص الشرعيَّة، ومطابقتها للواقع في نفس الأمر، وبُعدِها عن الإيهام بالتَّقليل والتَّنقيص، أما إن كان من يستعمل لفظ البسيط يريد به تنقيصًا أو تقليلًا فلا مرية إذن في كون ذلك من الشَّرِّ والإثم، و«بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» [صحيح مسلم: 2564].
وحاشَ الإسلامَ – بقوته وعِزَّته – أن يَجِيءَ بما يُقِرُّ في النفوس الذِّلَّة والهوان، وإنما كان هذا الصنف من الناس خافضًا للمؤمنين جناحَه، مؤثرًا غيره في شأن الدنيا، ولم ينازعهم في مكانة ومنزلة، وترفَّع عن الأسباب التي تُثير في النفوس المغالبة والخصومة من دنياهم، فبدا لبعض من لم يدقِّقْ في صورة المغلوب المستضعف بينهم، بينما هو مُرمِلٌ في جادَّةٍ غير جادَّتِهم، وغلب عليه لينُه وحسنُ ظنه، حتى ظنه الناس ضعيفًا.

ميزان التفاضل الحق
والمرء لا ينفك عن مخالطة الناس ومعايشتهم، وهم في أصل خلقتهم يتفاوتون في القبائل والشعوب، والألوان والأجساد والصور، والغنى والفقر، ولم يكن لهم نور من وحي يعرفون به مراتب الناس ومنازلهم، فجاءهم الشارع الحكيم بميزان كان خارجًا عن موازينهم ومعيار جديد فوق مألوفهم، فأناط الأمر بالتَّقوى، وجعلها الأساس الذي يُحتكم إليه في المفاضلة والتقييم، كما قال الله تعالى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
وبعد، فإن المتأدِّب بأدب الوحي ينبغي له أن ينتقي الأوصاف الممدوحة في الإسلام، فيصف المسلم أخاه المسلم بأنه رجل سهل، أو هيِّن، أو سَمْح، كما وصف الصحابة النبي ﷺ بذلك، أو نحوها من الأوصاف المشعرة بالمدحة والغبطة، بدلًا من الأوصاف المشعرة بالتقليل والرأفة، فتجعل الواصف كالمترفِّع بنفسه، ويُخرِج حديثه مخرج الغيبة، ولا ريب أن منها ما يخرج في ألوان من المخادعة، كمن يخرجه في قالب الصلاح أو الاغتمام، أو الإحسان والتعاطف.
الجمال المخبوء
ومن تأمل في أحوال البسطاء لاحت له مخايل من صور الجمال، تتجلَّى في اتِّصافهم بمزيج من أنواع الذَّكاء الاجتماعي والروحي والطبيعي، وأخص ذلك يظهر في سماحتهم وتساهلهم وتغافلهم، ومرونة نفوسهم، لطول الدُّربة وعناء الممارسة، فلا عجب أن مالت قلوب الناس إليهم لسلامة فطرهم، وصفاء قلوبهم، وجمعهم بين الذَّكاء والزَّكاء.
وهم – بعدُ – في المجتمع أحد أركانه الوثيقة، وعمود توازنه، وبهجة روحه، وحيوية تفاعله، وقوته النَّاعمة والمعنويَّة التي تسري في دمِه وجسده، ولا غنى لمجتمع عنهم في سلمه وحربه، ورخائه وشدته، وإن إقصاءهم وانزواءهم عن المشهد سيرجع على المجتمع بما يصدع أركانَه، ويُقوِّض بنيانَه، ويجعله في خواء روحي تصعب معه الحياة.
ومع كل ما تقدّم، فإنّ هذا لا يعني بالضرورة رفض كل تصنيف أو توصيف، فالحياة بطبيعتها تفرض علينا أحيانًا أن نُميز بين الأنماط البشرية المختلفة كجزء من الفهم والتعامل، لا من باب التفاضل أو الانتقاص، فقد نصف أحدهم بأنه “بسيط” في شخصيته أو “عميق” في نظرته، أو “تحليلي” في منطقه، لكن هذا الوصف لا يجوز أن ينزلق إلى التهوين من شأنه فالمسألة ليست في استعمال التصنيفات بحد ذاتها، بل في المقصد منها وسياقها.
كان النبي ﷺ يطلب هؤلاء الضعفاء، ويعيش بينهم، ويستنصر بهم ويوصي الناس بهم، وإن ظنَّ أحدٌ من أصحابه أن له فضلًا على أحد، ذكر لهم شأن الضعفاء ومكانتهم عند الله تعالى من الأمَّة
قال النبي ﷺ لسعد: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» [النسائي: 3178، وأصله في البخاري: 2896]، وكان يتفقَّد في المجامع مَنْ صغَّروا أمره، كما فعل مع المرأة التي كانت تقمُّ المسجد، و الخلفاءُ من بعده ساروا بسيرته، كما فعل عمر -رضي الله عنه- مع أويس القرني الذي كان يعيش في غبراء الناس، وربما سخروا منه، وكان سلاطين المسلمين يبحثون عن الصالحين وخاملي الذِّكر إن نزلت بهم الخطوب كما صنع قتيبة بن مسلم مع محمد بن واسع، فقيل له: ليس في المسجد إلا محمد بن واسع رافعًا أصبعه، فقال قتيبة: أصبعه تلك أحب إليَّ من ثلاثين ألف عِنان»، وما أحوجنا في هذا الزمان لمثل هؤلاء.

تابعني